فخر الدين الرازي

29

تفسير الرازي

الشبهة الرابعة : إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر . فيلزم أن يقال تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال . والجواب : هذه الشبهة أيضاً مبنية على أن الإنسان المعين عبارة عن مجموع هذا البدن ، وقد بينا أنه باطل . بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء . قلنا : النفس جوهر مجرد وأجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد ، وهي التي سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية . وهذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( إليه مرجعكم جميعاً ) * فيه أبحاث : البحث الأول : أن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية ، وظاهره يقتضي أن يكون الله سبحانه مختصاً بحيز وجهة ، حتى يصح أن يقال : إليه مرجع الخلق . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا . النفس جوهر مجرد ، فالسؤال زائل . الثاني : أن يكون المراد منه : أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه . الثالث : أن يكون المراد : أن مرجعهم إلى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة . البحث الثاني : ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الإنسان عبارة عن النفس ، لا عن البدن ، ويدل أيضاً على أن النفس كانت موجودة قبل البدن . أما أن الإنسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ) * فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت ، والنص دال على أنه حي ، فوجب أن تكون حقيقته شيئاً مغايراً لهذا البدن الميت ، وأيضاً قال الله تعالى في صفة نزع روح الكفار * ( أخرجوا أنفسكم ) * ( الأنعام : 93 ) وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن ، فلأن قوله تعالى في هذه الآية : * ( إليه مرجعكم ) * يدل على ما قلنا ، لأن الرجوع إلى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك ، ونظيره قوله تعالى : * ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ) * ( الفجر : 27 ، 28 ) وقوله : * ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ) * ( الأنعام : 62 ) . البحث الثالث ؛ المرجع بمعنى الرجوع و * ( جميعاً ) * نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع ، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت ، وإنما المراد منه القيامة . البحث الرابع : قوله تعالى : * ( إليه مرجعكم ) * يفيد الحصر ، وأنه لا رجوع إلا إلى الله تعالى ، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره ، وأما قوله : * ( وعد الله حقاً ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : * ( وعد الله ) * منصوب على معنى : وعدكم الله وعداً ، لأن قوله : * ( إليه مرجعكم ) * معناه : الوعد بالرجوع ، فعلى هذا التقدير يكون قوله : * ( وعد الله ) * مصدراً مؤكداً لقوله :